محمود محمود الغراب

40

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

الذي صوّره يحرض مصوره على طلب من صوّره على صورته ، فإن ذلك الأصل هو روح هذا الخيال ، وبه بقاؤه ، وهو الذي يحفظه ، وما اشتد حب المحب إلا في صنعته وفعله ، فإن الصورة التي تعشق بها في خياله هي من صنعته ، فما أحب إلا ما هو راجع إليه ، فبنفسه تعلق وعلى فعله أثنى ، فمن علم هذا علم حب اللّه عباده ، وأنه تعالى أشد حبا فيهم منهم فيه ، بل لا يحبونه عينا ، وإنما يحبون إحسانه ، فإن الإحسان هو مشهودهم ، ومن أحبه عينا فإنما أحب مثالا صوّره في نفسه وتخيله ، وليس إلا المشبهة خاصة ، فكل محب لولا التشبيه ما أحبه ، ولولا التخيل ما تعلق به ، ولهذا جعله الشارع في قبلته ووسعه قلب عبده ، وجعله من القرب به كهو أو كبعض أجزائه ، فمثل هؤلاء عبدوه ممثلا ، وشاهدوه محصلا . ( ف ح 3 / 450 ) ولما كان الخيال هو الحضرة التي يتجلى فيها الحق ، وكان التجلي على ما هو المتجلي عليه في نفسه لنفسه محال حصوله لأحد ، فلا يقع التجلي إلا من دون ذلك ، أي على قدر طاقة المتجلى له ، فإنه لو تجلى على ما هو عليه في نفسه لنفسه لأحد ، لأحاط المتجلى له علما به ، وهو محال ، فالفائدة من جانب الحق لعباده بكل ما أعطى التقييد ، فإنه إذا تقييد تميز وتعينت المرتبة ، ولهذا يدعو الحق قلوب المحبين إلى حسن جماله المقيد ، فإن اللحظ المطلق لا تقع به الفائدة في العالم أصلا ، فالمشهد الذاتي لا يتحصل منه علم في نفس المشاهد ، لأنه تجلى في غير صورة مادية ، فلم يكن للخيال ما يضبطه به ، فلم يكن للعقل ما يعقله ، إذ لا يدخل تحت كيف ولا كم ولا حال ولا نعت ولا وصف ، فالمشهد الذاتي لا ينتج شيئا في قلب العبد ، لأنه لا ينضبط ولا يتحصل منه سوى شهوده عند خفقانه ، فإنه تعالى أن يحصره كون أصلا ، بخلاف التجلي في الصورة في عالم التمثيل ، فإن الرائي يضبط صورة ما تجلى له ويعبر عنها ، فالتجلي الصوري أليق بالعاشق ، والمشهد الذاتي أتم للعارف . ( ذخائر الأعلاق ) والمحب الإلهي إذا رأى الحق في الخلق ، والتجلي الإلهي في الصور ، أداه ذلك إلى التعلق بالأكوان ، وهي الصور الطبيعية في عالم الشهادة ، لما ظهر التجلي فيها ، فغرامه لمن يتجلى فيه الحق بحكم التبعية ، كالتولع بمنازل الأحبة من حيث هي منازل لهم خاصة ، لا من حيث هي منازل ، ولو وقع تجلي الحق على القلوب - وهو تجلي الهوية - لحنّ أيضا هذا